أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )
235
قهوة الإنشاء
والتفتنا إلى درندة وما العيان من صنع اللّه في أخذها كالخبر ، وقررنا صدع صخورها باختلاف الآلات ، فجاء ما قررناه نقشا على حجر ، وادّعت أن صخرها أصمّ فأسمعناه من آذان المرامي تنقير المدافع وتحريك الوتر . وطلعت في ظهر الجبل كدمّل فطار كل جارح من سهامنا بريشته إلى فتحها ، وظنت صون من بها لعلو ذلك السفح فطالت سيوفنا إلى دماء القوم وسفحها ، وقرعنا سن جبلها بسبّابات المدافع وكسرنا منه الثنيّة ، وأمست حلق مراميها كالخواتم في أصابع سهامنا المستوية ، وخرّ بحرها طائعا فركّبنا عليه سفن جسور على الزحف إليها جاسرة ، وأقلعنا إلى خشب سفينتها المسنّدة فمزّقنا « 1 » قلوع ستائرها وخرّبنا قريتها « 2 » العامرة ، هذا مع أن اللنك خطبها لنفسه وأراد أن يعرّج إليها ، فترفعت عليه ولم ترضه لنقص العرج أن يعلو عليها ، فرحل عنها ولم يحظ من ديوان وصلها بمسموح ، ولكن ساعة رؤيتنا قالت بكارتها : « مرحبا بأبي النصر وأبي الفتوح » ، وتعلق سكانها بأذيال الأمان فأمّنّاهم ، ولكن كانوا في صدرها « 3 » غلّا فنزعناهم . وجاءت مفاتيح خندروس قبل التلخيص منها براعة . وأحسنا الختام بدرندة وألقينا إكسير المدافع على حجرها الذي كان غير مكرم وأحسنا التدبير في الصناعة . وسمعت كرت برت بذلك فألقت من بها في بئر معطّلة وزهت فرحة بقصرها المشيّد ، ووصلت مفاتيحها يوم هذا الفتح مهنئة بلسانها الحديد . وغارت عروس بهسنا من ذلك فخطبتها لجمالها البارع ، وجهزت كتابها يشهد لها بالخلوّ من الموانع ، وهي أيضا ممن خطبها اللنك لنفسه فتمنعت ، وأراد السموّ إلى أفقها العالي فاستسفلته « 4 » وترفّعت ، وعوت كلابه فلقمتهم ما ثقل وزنه من أحجارها الثقال ، خلافا لمن أصبح الصخر عنده مثقالا بمثقال . وعلم طغرق « 5 » أن سهامنا في كل عضو من أعضاء العصاة جارحة ، وأفواه مدافعنا في أغراض الصخور من سائر القلاع قادحة ، فتبّت يداه عن المنع وجنح إلى الإخلاص فسابقه باب القلعة ورفع صوته في الفاتحة .
--> ( 1 ) فمزقنا : طب : فرقمنا . ( 2 ) قريتها : ها : قلعتها . ( 3 ) صدرها : ها : صدورها . ( 4 ) استسفلته : تو : استقلته ؛ ها : استثقلته . ( 5 ) طغرق : قا : طغروق ؛ ق : طفرق .